الشيخ الطوسي
230
التبيان في تفسير القرآن
قرأ رويس ( انطلقوا إلى ظل ) على فتح اللام بلفظ الماضي . وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر ( جمالة ) وضم الجيم يعقوب . الباقون ( جمالات ) من قرأ ( جمالة ) على لفظ الواحد قال معناه الجمع لقوله ( صفر ) ومن قرأ ( جمالات ) . بكسر الجيم قال : جمالة وجمالات جميعا جمعان ، كأنه جمع الجمع مثل : رجال ورجالات ، وبيوت وبيوتات ، والهاء في قوله ( كأنه ) كناية عن الشرر . وهذا حكاية ما يقول الله تعالى للكفار المكذبين بيوم الدين يوم القيامة فإنه يقول لهم ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) من العقاب على الكفر ودخول النار جزاء على المعاصي ، فكنتم تجحدون ذلك وتكذبون به ولا تعترفون بصحته ، فامضوا اليوم إليه . فالانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير مكث الاعتقال ، وهو من الاطلاق خلاف التقييد ، والانتقال من حال إلى حال ، ومن اعتقاد إلى اعتقاد لا يسمى انطلاقا . ثم ذكر الموضع الذي أمرهم بالانطلاق إليه ، فقال ( انطلقوا إلى ) ظل ذي ثلاث شعب ) قيل : معناه يتشعب من النار ثلاث شعب : شعبة فوقه ، وشعبة عن يمينه وشعبة عن شماله فيحيط بالكافر . وقال مجاهد وقتادة ( ظل ) دخان من جهنم ينقسم ثلاث شعب كما قال تعالى ( أحاط بهم سرادقها ) ( 1 ) أي من الدخان الاخذ بالأنفاس ( لا ظليل ) معناه غير مانع من الأذى يستر عنه ، فالظليل المانع من الأذى بستره عنه ، ومثله الكنين ، فالظليل من الظلة ، وهي السترة ، والكنين من الكن ، فظل هذا الدخان لا يغني الكفار من حر النار شيئا . وبين ذلك بقوله ( ولا يغني من اللهب ) والاغناء إيجاد الكفاية بما يكون وجود غيره وعدمه سواء يقال : أغنى عنه أي كفى في الدفع عنه . واللهب ارتفاع الشرر ، وهو اضطرام النار ، التهب يلتهب التهابا وألهبتها إلهابا ولهبا .
--> ( 1 ) سورة 18 الكهف آية 29 .